فخر الدين الرازي
132
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وجوه : أحدها : أن قوله : وَنُيَسِّرُكَ معطوف على سَنُقْرِئُكَ وقوله : إِنَّهُ يَعْلَمُ / الْجَهْرَ وَما يَخْفى اعتراض ، والتقدير : سنقرئك فلا تنسى ، ونوفقك للطريقة التي هي أسهل وأيسر ، يعني في حفظ القرآن وثانيها : قال ابن مسعود : اليسرى الجنة ، والمعنى نيسرك للعمل المؤدى إليها وثالثها : نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه وتعمل به ورابعها : نوفقك للشريعة وهي الحنيفية السهلة السمحة ، والوجه الأول أقرب . المسألة الثانية : لسائل أن يسأل فيقول العبارة المعتادة أن يقال : جعل الفعل الفلاني ميسرا لفلان ، ولا يقال : جعل فلان ميسرا للفعل الفلاني فما الفائدة فيه ؟ هاهنا الجواب : أن هذه العبارة كما أنها اختيار القرآن في هذا الموضع ، وفي سورة الليل أيضا ، فكذا هي اختيار الرسول في قوله عليه السلام : « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » وفيه لطيفة علمية ، وذلك لأن ذلك الفعل في نفسه ماهية ممكنة قابلة للوجود والعدم على السوية ، فما دام القادر يبقى بالنسبة إلى فعلها وتركها على السوية امتنع صدور الفعل عنه ، فإذا نرجح جانب الفاعلية على جانب التاركية ، فحينئذ يحصل الفعل ، فثبت أن الفعل ما لم يجب لم يوجد ، وذلك الرجحان هو المسمى بالتيسير ، فثبت أن الأمر بالتحقيق هو أن الفاعل يصير ميسرا للفعل ، لا أن الفعل يصير ميسرا للفاعل ، فسبحان من له تحت كل كلمة حكمة خفية وسر عجيب يبهر العقول . المسألة الثالثة : إنما قال : وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى بنون التعظيم لتكون عظمة المعطى دالة على عظمة العطاء ، نظيره قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ * [ يوسف : 2 ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [ الحجر : 9 ] إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [ الكوثر : 1 ] دلت هذه الآية على أنه سبحانه فتح عليه من أبواب التيسير والتسهيل ما لم يفتحه على أحد غيره ، وكيف لا وقد كان صبيا لا أب له ولا أم له نشأ في قوم جهال ، ثم إنه تعالى جعله في أفعاله وأقواله قدوة للعالمين ، وهديا للخلق أجمعين . أما قوله تعالى : [ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 9 ] فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ( 9 ) فاعلم أنه تعالى لما تكمل « 1 » بتيسير جميع مصالح الدنيا والآخرة أمر بدعوة الخلق إلى الحق ، لأن كمال حال الإنسان في أن يتخلق بأخلاق اللّه سبحانه تاما وفوق التمام ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام تاما بمقتضى قوله : وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى [ الأعلى : 8 ] أمر بأن يجعل نفسه فوق التمام بمقتضى قوله : فَذَكِّرْ لأن التذكير يقتضي تكميل الناقصين وهداية الجاهلين ، ومن كان كذلك كان فياضا للكمال ، فكان تاما وفوق التمام ، وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم ، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله : إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى ؟ الجواب : أن المعلق بأن على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ومنها قوله : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [ النور : 33 ] ومنها قوله : وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ / إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ البقرة : 172 ] ومنها قوله : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ [ النساء : 101 ] فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف ، ومنها قوله : وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ [ البقرة : 283 ] والرهن جائز مع الكتابة ، ومنها قوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [ البقرة : 230 ] والمراجعة جائزة بدون هذا الظن ، إذا
--> ( 1 ) في الأصل ( تكمل ) والمعنى عليها ظاهر كما في سياق الكلام ولعل ( تكفل ) أنسب هنا .